أبو علي سينا

177

التعليقات

الأول في مكانه الطبيعي الذي يمنع اللّبن الآخر أن يزول عن موضعه ، يتعاون كله على الثبات . فإذن البناء علة بالعرض للبيت ، وكذلك الأب علة بالعرض للابن ، فإنه علة لتحريك المنيّ إلى القرار ، ثم ينحفظ المنى في القرار بطبعه ، أو بمانع آخر يمنعه السيلان ، وهو انضمام فم الرحم ، ثم قبوله للصورة الإنسانية لذاته . وأما مفيد الصورة فهو واهب الصور ، فهذا بعض حججهم . وأما إثبات المذهب فيما نقوله : فيجب أن تعلم أن كل معلول فله صفتان ، وكل علة فلها صفتان ، أما ما للمعلول ، فإحداهما أن وجوده مستفاد من العلة ، والثاني أن العدم يسبق ذلك الوجود ، فيكون تعلق المعلول بالعلة إما من جهة وجوده أو من جهة سبق العدم . ومحال أن تكون العلة علة لسبق العدم ، فإن عدم الشئ لا علة له إلا عدم علة الوجود ، فليس للعلة تأثير في سبق العدم . ثم إن لم يكن للمعلول تعلق بالعلة من جهة الوجود ، لم يكن له تعلق بالعلة أصلا . فإذن قد يجب أن يكون تعلق المعلول بالعلة من جهة الوجود لا غير . وأما كون ذلك الوجود بعد العدم فإنه لم يصر بعلة ، فإنه لا يمكن أن يكون وجود ذلك المعلول إلا بعد عدم ، وما لا يمكن فلا علة له ، فإن الممتنع لا علة له ، فليس لوجوده من بعد عدم سبب من حيث هو وجود بعد عدم . فإن هذا الوجود لا يمكن أن يكون إلا بعد عدم ، فإن الوجود الذي سبقه العدم لا يصح أن يكون إلا بعد سبق العدم ، لأنه يسبقه العدم بذاته ، فلا علة له . فلا إمكان لوجوده بعد عدم من حيث هو بعد العدم ، وإنما الإمكان للوجود من حيث هو وجود فحسب . وأما كونه بعد العدم فهو ضروري لا ممكن . فالمعلول يحتاج إذن إلى العلة في وجوده ، وهو ممكن ، إذ إمكانه في وجوده فقط ، ولا حاجة له إلى العلة في أن يكون بعد العدم ، فإن هذا المعنى هو واجب لذلك الوجود ، وما كان واجبا لم يحتج إلى علة من خارج . والشئ لا يتغير جوهره . ولما كان المعلول محتاجا إلى العلة ومتعلقا بها من هذه الجهة ، وجب أن يكون مثل هذا الوجود دائما محتاجا إلى العلة . وهذه الصفة مقومة لمثل هذا الوجود ، أعنى الحاجة إلى العلة . فإذن المعلول في أنه يحتاج في وجوده إلى العلة مقوم ذلك ، وإلا كان واجبا بذاته ، ولم يكن واجبا بغيره ، فإذن العلة علة الوجود . وأما سبق العدم فعلته أن تلك العلة لم تكن موجودة ، لا شئ آخر . فتكون العلة لها حالتان : إحداهما : أن لم يكن سبب الوجود ، والأخرى أن صار في ذلك الوقت سببا للوجود . فإذن عليّتها لسبق العدم هو لا كونها علة للوجود ، ولا عليتها ليست هي علة ، ولا يدخل في حكم كونها